إطلالة على شرفات بحر الشمال
لم أكن قد وضعت تصورا عن العنوان عندما أخذت رواية "شرفات بحر الشمال" بين يدي، لكن، وما أن بدأت قراءة السطور الأولى حتى عرفت أني سأكون أسيرتها إلى النهاية، وأنها ستبقى مخدرا يتسرب إلى الأعماق فتخذلني تلك القوة التي كنت أقاوم فيها الانجراف، حين بدأ بإهداء أجبرني بعدها على إغماض العينين، بهدوء شديد:
" أيتها المهبولة، في كل الوجوه أنت،
أغلقي أولا هذا الباب العاري، سدّي النوافذ القلقة،
ثم.. قللي من خطايا الكلام واستمعي إليّ قليلا.
لقد تعبت.
شكرا لهبلك وغرورك فقد منحاني شهوة لا تعوّض للكتابة ووهما جميلا اسمه الحب
مثلك اليوم أشتهي أن أكتب داخل الصمت والعزلة،
لأشفى منك بأدنى قدر ممكن من الخسارة "
ها أنا أكتب عنها بعدما ظننت – خطأ ربما- أني قد تحللت من أثرها! واسيني الأعرج، الكاتب الجزائري الذي جاء بياسين بطلا من حواف البحر ليكتب لنا روايته الرائعة قريبا من ذاك البحر الساحر:
"البحر وحده يوفر لنا فرصة الاعتراف بالحماقات ويستمع إلى فضائلنا وخروقاتنا المتكررة بمزيد من التسامح والغفران".
يهيأ لي أنها اعترافات كبيرة تفوق ما يمكنني– على مستواي الشخصي- أن أبتلعها، ثمة آلام كبيرة، وأحلام بعُرض البحر، ومشاعر متدفقة، ورغبات عائمة على طول المسافة بين القلب وقلب آخر. منذ بدء رحلة "ياسين" إلى أمستردام لتكريمه على منحوتته "المرأة ذات الرأس المقطوع" التي تختصر نساء أثرن فيه (فتنة/ نرجس/ زليخة)، حين يدرك مستذكرا كلمات مهبولته "فتنة" بوجع كبير: "نحن هكذا. لا نترك وطنا إلا لنتزوج قبرا في منفى".
فهل صحيح أننا – بتركنا للوطن- نفعل ذلك دون أن نعي ما يلفنا؟
أم أننا نريد ذلك بكل قوانا العقلية والجسدية؟
كنت أسأل نفسي لماذا بدوت متعاطفة مع ياسين؟ وهل كان ذلك بعدما قال ما قاله عن وطنه الذي يبدو شبيها بفلسطين، بشكل أو بآخر، حين تمنى لو يقول متدثرا بوجه المضيفة التي هنأته بيوم ميلاده: "أتعلمين يا سيدتي، من كثرة شطط الدنيا نسيت أن لي يوم ميلاد، فأنا اليوم لا أحفظ إلا تواريخ وفاة الأصدقاء وتواريخ انتحارهم أو اغتيالهم".
أم أن هذا التعاطف بدأ بعدما جاء بذاكرة مثخنة بجراح لا تُنسى، مواسيا نفسه:
"نحن لا ننسى عندما نريد ذلك، ولكننا ننسى عندما تشتهي الذاكرة. والذاكرة عندما تشرع نوافذها للتخلص من ثقل الجراحات لا تستأذن أحدا".
طوال اللحظات التي تجتازني من صفحة لأخرى، وأنا أحاول أن أ















