إطلالة على شرفات بحر الشمال
كتبهاسامية عيّاش ، في 10 تشرين الأول 2009 الساعة: 11:36 ص
إطلالة على شرفات بحر الشمال
لم أكن قد وضعت تصورا عن العنوان عندما أخذت رواية "شرفات بحر الشمال" بين يدي، لكن، وما أن بدأت قراءة السطور الأولى حتى عرفت أني سأكون أسيرتها إلى النهاية، وأنها ستبقى مخدرا يتسرب إلى الأعماق فتخذلني تلك القوة التي كنت أقاوم فيها الانجراف، حين بدأ بإهداء أجبرني بعدها على إغماض العينين، بهدوء شديد:
" أيتها المهبولة، في كل الوجوه أنت،
أغلقي أولا هذا الباب العاري، سدّي النوافذ القلقة،
ثم.. قللي من خطايا الكلام واستمعي إليّ قليلا.
لقد تعبت.
شكرا لهبلك وغرورك فقد منحاني شهوة لا تعوّض للكتابة ووهما جميلا اسمه الحب
مثلك اليوم أشتهي أن أكتب داخل الصمت والعزلة،
لأشفى منك بأدنى قدر ممكن من الخسارة "
ها أنا أكتب عنها بعدما ظننت – خطأ ربما- أني قد تحللت من أثرها! واسيني الأعرج، الكاتب الجزائري الذي جاء بياسين بطلا من حواف البحر ليكتب لنا روايته الرائعة قريبا من ذاك البحر الساحر:
"البحر وحده يوفر لنا فرصة الاعتراف بالحماقات ويستمع إلى فضائلنا وخروقاتنا المتكررة بمزيد من التسامح والغفران".
يهيأ لي أنها اعترافات كبيرة تفوق ما يمكنني– على مستواي الشخصي- أن أبتلعها، ثمة آلام كبيرة، وأحلام بعُرض البحر، ومشاعر متدفقة، ورغبات عائمة على طول المسافة بين القلب وقلب آخر. منذ بدء رحلة "ياسين" إلى أمستردام لتكريمه على منحوتته "المرأة ذات الرأس المقطوع" التي تختصر نساء أثرن فيه (فتنة/ نرجس/ زليخة)، حين يدرك مستذكرا كلمات مهبولته "فتنة" بوجع كبير: "نحن هكذا. لا نترك وطنا إلا لنتزوج قبرا في منفى".
فهل صحيح أننا – بتركنا للوطن- نفعل ذلك دون أن نعي ما يلفنا؟
أم أننا نريد ذلك بكل قوانا العقلية والجسدية؟
كنت أسأل نفسي لماذا بدوت متعاطفة مع ياسين؟ وهل كان ذلك بعدما قال ما قاله عن وطنه الذي يبدو شبيها بفلسطين، بشكل أو بآخر، حين تمنى لو يقول متدثرا بوجه المضيفة التي هنأته بيوم ميلاده: "أتعلمين يا سيدتي، من كثرة شطط الدنيا نسيت أن لي يوم ميلاد، فأنا اليوم لا أحفظ إلا تواريخ وفاة الأصدقاء وتواريخ انتحارهم أو اغتيالهم".
أم أن هذا التعاطف بدأ بعدما جاء بذاكرة مثخنة بجراح لا تُنسى، مواسيا نفسه:
"نحن لا ننسى عندما نريد ذلك، ولكننا ننسى عندما تشتهي الذاكرة. والذاكرة عندما تشرع نوافذها للتخلص من ثقل الجراحات لا تستأذن أحدا".
طوال اللحظات التي تجتازني من صفحة لأخرى، وأنا أحاول أن أتركها؛ فهناك جزء من العتمة الضاغطة على الصدر كصخرة، وجوه كثيرة مدفونة في الكلمات، وحسرات جسام نلوكها بملء الفم، وشهوة كبيرة على العوم بين الوجوه.. لكني اكتشفت أنها ذات اللحظات التي تستدرجني لمزيد من التورط الحقيقي، إذ أشعر أني أرى خيوطا حمراء تنزف وسط برد أمستردام، تنزف حزنا يستطيل عميقا في الروح، فيحيل الكلمات لماء يترقرق بشفافية!
ففتنة التي تحضره عند أطراف الرمل، على عتبة التلاشي قرب البحر. تلك المرأة الأولى التي علمته فنون الحب كما عزف الكمان. ذاتها التي يبحث عنها بين أزقة أمستردام. ونرجس، المذيعة التي علّمته ببرنامجها الإذاعي كيف يرتب الحروف كالعد للعشرة، ذات المرأة التي كتب إليها ألف رسالة، ولم يجدها على غفلة، ليفاجئه شِعرها القادم من مكان قصيّ.
حُبان كانا يؤكدان دوما أن للحب منطقا آخر:
" كلما أصبنا بمرض الحب أختل منطق الأبجديات الصامتة وحل محلها ضباب نتمنى أن نضعه كله في لمسة يد كالقطن استعدادا لسجنه في جيب أي قميص خفيف، ولكنه يتسرب من بين الأصابع بهدوء بدون أن نحصل على شيء منه."
هو الذي يحاول أن ينساهما، وينسى عزيز أخيه الذي رسم معه حلم مدينة جزائرية على البحر، تموج بالحب من أولها لآخرها كعطش لا يُروى.
ليتمتم إلى آخر الرواية وجع أخته المنتحرة، لمّا خذله قلبه فلم يستطع أن يحقق وصيتها:
"شوف يا حبيبي ياسين. أنت ما زلت صغيرا. الدنيا بنت كلب، صعبة بزاف، اليوم معك وتشوف فيك، وغدا تعطيك بقفاها. عندما تحب لا تحب بكلك، وإلا تموت مغبونا. خلِّ دائمة شوية ليك حتى تقدر توقف على رجليك"
فينسحب من أمستردام المدينة ذات المطر البارد، المدينة التي منحته لحظات غفوة كالرعشة، وموجات حزن عميقة.. المدينة العذبة التي تنام على الماء.
ليقول لنا على مدى ثلاثمائة صفحة ويزيد:
"يبدو أننا عندما نكون ممتلئين بإنسان ونفقده نشعر بعري ما وبرعشة برودة تأتينا من جهة ما من جهات الجسد".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 10th, 2009 at 10 أكتوبر 2009 12:04 م
مساء الخير سامية
وقلم جميل يصور الحرف كما
تراه الروح مغلفا بحكمة ايام
وخبرة حياة
سرني التواجد هنا
دمتم بود
د.ريان
أكتوبر 11th, 2009 at 11 أكتوبر 2009 8:33 ص
الاخت الكريمه
ساميه
سعدت جدا بمرورى
حيث الكلمات والاسلوب والاحساس
منتهى الروعه
تحياتى لكى
اكرم
أكتوبر 12th, 2009 at 12 أكتوبر 2009 4:05 م
الدكتور ريان:
أسعدني هذا المرور كثيرا،
فالركود في الحياة بحاجة لكلمات تحركها، وتدفعها الى الماء،
الماء،
المــــاء
فشكرا